كيف يمكن أن يمثل قطاع غزة نموذجاً لمدن المستقبل؟

time reading iconدقائق القراءة - 18
الألواح الشمسية على أسطح البنايات في غزة، حيث أجبر الحصار والأوضاع الاقتصادية الصعبة السكان على التأقلم بطرق جديدة - المصدر: بلومبرغ
الألواح الشمسية على أسطح البنايات في غزة، حيث أجبر الحصار والأوضاع الاقتصادية الصعبة السكان على التأقلم بطرق جديدة - المصدر: بلومبرغ
المصدر:

بلومبرغ

عندما كان الأمريكيون يقصدون أجهز التلفاز أو الهواتف الذكية لمتابعة أخبار الاشتباكات الدامية التي حدثت في قطاع غزة خلال شهر مايو الماضي، أو خلال موجة العنف الأخيرة التي هددت بخرق الهدنة الهشة في المنطقة خلال أغسطس بعد ذلك، رأى الكثيرون منهم مشاهد بدت مألوفة إلى حد ما، حيث احتشد المحتجون بالشوارع وشاركوا في صراعات ضد قوات الأمن شديدة التسلّح في شوارع المدينة الدامية.

من نواحٍ كثيرة، تعتبر الظروف السياسية والفعلية في قطاع غزة فريدة من نوعها، حيث يحتشد نحو مليونيْ شخص في قطعة أرض تمتد طولاً على مدى 25 ميلاً (1 ميل = 1,6 كم) على طول البحر الأبيض المتوسط، بمساحة تعادل مساحة مدينة فيلادلفيا الأمريكية تقريباً.

حرب غزة تضع الزخم الاقتصادي لاتفاقية إبراهيم تحت الاختبار

ولعقود من الزمن، كانت المنطقة موطناً للفلسطينيين الذي نزحوا بسبب تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، ومنذ عام 2007، أي بعد انتخاب الجناح السياسي لحركة "حماس" للسلطة، أصبحت غزة تحت الحصار الإسرائيلي. ورداً على ذلك، نفذ مسلحو "حماس" عمليات تفجير انتحارية وهجمات صاروخية ضد إسرائيل، ووصل الجانبان إلى وتيرة مروعة من العنف الذي تخللته اشتباكات قوية. وفي القتال الذي نشب في شهر مايو الماضي، قُتل ما يصل إلى 260 فلسطينياً، في حين أن قتلى إسرائيل بلغوا 12 شخصاً فقط.

مستقبل حتمي

تمثل غزة مشهداً من الحرمان الاقتصادي الشديد، الذي وجد نتيجة للعوامل السياسية المعقدة في المنطقة، لكن ملامح هذا المشهد قد تصبح أكثر شيوعاً قريباً.

هذه هي الفرضية الكامنة خلف كتاب "غزة المفتوحة: عمارة الأمل" (Open Gaza: Architectures of Hope) الصادر مؤخراً عن دار "تيرفورم" (Terreform) للأبحاث الحضرية. حرر الكتاب "دين شارب"، وهو عالم الجغرافيا الحضرية الذي يركز على الشرق الأوسط، بالاشتراك مع الكاتب وواضع النظريات والناشط والناقد مايكل سوركين.

يقدم الكتاب رؤية عن غزة باعتبارها نموذجاً لمستقبل محدق، تشكل فيه العنف والمراقبة الأمنية وندرة الموارد والاستخدام المفرط للبيئات العمرانية، أموراً قد تهدد الجميع.

هكذا يُحكِم حزب الله قبضته على لبنان الغارق بالأزمات

يرى شارب صلة، على سبيل المثال، بين الاضطرابات في غزة والمظاهرات المطالبة بالعدالة العرقية التي اجتاحت المدن الأمريكية بعد مقتل جورج فلويد في عام 2020. ففي كلتا الحالتين، تتلخص القضية الأساسية حول من يملك الحق في المدينة، أو بمعنى أدق، حول حق المطالبة بالحيز الحضري المتنازع عليه. ويقول شارب: "احتجاجات حركة حياة السود مهمة والحركات الأوسع نطاقاً والاعتراف بأنواع القمع التي تحدث في غزة، أصبحت أموراً واضحة".

الأزمات والابتكار

تقول النشرة الترويجية للكتاب إن قطاع غزة يمثل "أحد أكثر البيئات حصاراً على وجه الأرض"، لكن المنطقة ومركزها الحضري: مدينة غزة، لم تحظ بدراسة كافية من حيث الهندسة المعمارية والحضرية فيها. وهذا يجعل الكتاب يعد إنجازاً استثنائياً يحسب للكاتب سوركين، الذي توفي العام الماضي إثر إصابته بفيروس كورونا. ويقول شارب: "أراد مايكل أن يبحث في ما لم يرد الآخرون البحث فيه".

يستعرض الكتاب مساهمات مقدمة من علماء ومختصي تخطيط حضري ومعماريين من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإسرائيل، والهند، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وتستكشف المقالات المنشورة في الكتاب الوضع الحالي لغزة، والسياق الاجتماعي والسياسي الأوسع نطاقاً فيها، وتعرض المقالات أيضاً تصاميم مختلفة تستهدف إعادة السيادة والكرامة لسكانها. وتفترض أن تقنيات التصميم المتخصصة ومنخفضة الكربون التي طورها سكان غزة تعكس مستقبل سكان في كوكب يبدو عاجزاً عن مواجهة تحديات كارثة مناخية، ووباء عالمي، وفجوات عدم مساواة آخذة بالاتساع.

وفي حين تكون الأنظمة السياسية الهشة أكثر عرضة للتدمير في خضم الأزمات، وتساهم الهجرات الجماعية بتعزيز التشديد على الحدود بين الدول، وتنهار البنى التحتية، يشير كتاب "غزة المفتوحة: عمارة الأمل" إلى أن بقية العالم قد تبدأ بالتشابه أكثر فأكثر مع غزة. أو ربما يكون التشابه قد بدأ بالحدوث بالفعل، حيث يمكن لأي شخص سبق له أن بحث عن مياه نظيفة في مدينة فلينت الأمريكية، أو شاهد منزله مدمراً في حرائق الغابات أو الفيضانات، أن يفهم ما تعنيه المهندسة المعمارية الفلسطينية يارا شريف في كلامها، وهي أحد المساهمين في الكتاب، عندما قالت:

اتجاه المدن نحو هذا النهج الفلسطيني يحدث في جميع أنحاء العالم. هو يحدث عن طريق التدمير والإزالة، وهو يحدث أيضاً مع التغير المناخي الدراماتيكي

لا يكتفي الكتاب بالإشادة ببراعة وسعة حيلة أهل غزة والحلفاء العاملين فيها من الحضريين والمعماريين، فضلاً عن أن الكتاب لا يركز على تصوير غزة على أنها مجرد سجن بائس. يقول شارب: "يمكنك تسمية هذه الرؤى بـ"الرؤية الفاضلة" للمدينة، لكنني أعتقد أن هذه احتمالات بديلة بالفعل. إنها ليست محض خيال". بدلاً من ذلك، فإن مجموعة العاملين على الكتاب يقولون إنه يمثل "مطالبة بحقوق أهل غزة بامتلاك قدرة أن يعيشوا ويشكلوا سياقهم الحضري وبنيتهم التحتية وحياتهم الاجتماعية، بطرق لائقة تحترم إنسانيتهم"، على حد قول شارب.

تغيّر المناخ سوف يضطر الناس إلى الهجرة... فإلى أين سيذهبون؟

كذلك، يعرض الكتاب الحالة المعمارية لغزة، سواء القائمة بالفعل أو الحالة المتوقعة، نتيجة لاختلال توازن القوى مع إسرائيل. وهذا الاختلال يعني أن كتاب "غزة المفتوحة" يخلو من تصور الحلول التقنية المستقبلية التي تستطيع حل جميع المشاكل، والتي غالباً ما تزخر بها مستندات المجال المعماري.

حيث غالباً ما تدعي مثل هذه الوثائق أن المباني منخفضة الكربون، تكون مشيدة من الأشجار والأتربة الموجودة في الأرض التي تبنى فيها، وهي تزهر في جو من التقدم التقني العالي، بينما يتسم المستهلكون بالسعادة وهم يعيشون برفاهية، حيث يشربون الحليب المخفوق الذي تسكبه الروبوتات لهم، ويتناولون شطائر الأفوكادو المزروع محلياً.

يخبرنا كتاب "غزة المفتوحة: عمارة الأمل" أن هذا السيناريو ربما يكون مجرد قصة خيالية. ويوضح الكتاب أن ظروف تحقق هذه الأعمال قد يكون ضمن القيود المحلية الشديدة المفروضة على المواد، وهو يشير إلى أن أول استحمام يأخذه أحدنا بمياه تمت تدفئتها بواسطة الطاقة الشمسية، قد يكون بين صفارات إنذار الغارات الجوية.

هذا الواقع هو السبب في أن الكلمات الطنانة مثل "الاستدامة" أو "المرونة" لا تعني شيئاً بالنسبة للمواطن العادي في غزة، بحسب قول المهندس المعماري الفلسطيني سالم القدوة، الذي يكتب عن المباني المعتادة في قطاع غزة.

بالنسبة للمعماريين الغربيين، ربما تكون إعادة تدوير الأحجار وسيلة لتوفير الكربون، وتقديم مبانٍ جديدة ذات طابع قديم، لكن في غزة فإن السبب ببساطة هو عدم وجود أي خيار آخر.

طور المهندس القدوة نماذج "الإسكان المضافة" التي تبدأ بوضع الأسس والأعمدة الهيكلية، ثم تسمح لسكان غزة بسد ثغرات التصميم بالطريقة التي تناسبهم، وذلك لتشييد مجموعة منخفضة التكلفة من الوحدات السكنية القابلة للتوسيع، والتي تتميز بمساحات مفتوحة مظللة وأسقف مزخرفة، على حد قوله. وغالباً ما تفتقر المنازل إلى الطاقة الكهربائية، لذلك فإن نسمات الهواء العابرة ضرورية للتهوية، فهذه المنازل صُنعت من مواد محلية وتوفر تناغماً مع المناخ، وهو أمر لا تتقيد به غالبا المنظمات غير الربحية الدولية العازمة على البناء، وفقاً للقدوة الذي أضاف: "الناس هنا بحاجة إلى مأوى ملائم. منزل جيد مع عزل مناسب وإضاءة طبيعية وما إلى ذلك".

"بوليكاتويكيا" تروي الأسرار المعمارية لأثينا القديمة

ليس السبب في ذلك ه:و الحنين للمباني التقليدية، لكن هذه الممارسات في البناء تعد هامة للناس، حيث تقول المعمارية الفلسطينية يارا شريف

تنظر غزة إلى الممارسات البيئية بدافع الضرورة، وبالتالي فإن السبيل الوحيد للمضي قدماً في غزة، يأتي من خلال طرق العيش التقليدية، نظراً لعدم وجود بديل آخر

في الوقت نفسه، يقدم فصل "القبة الشمسية" في الكتاب، الذي أعده كل من رافي سيغال وكريس ماكي (اسمه يشير لنظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي "القبة الحديدية") حجة مقنعة بأن هناك أماكن قليلة تعد أكثر ملاءمة لشبكات الطاقة الشمسية بالكامل من غزة. حيث يستخدم سكان غزة أقل من 2% من متوسط بصمة الطاقة في أمريكا، فضلاً عن أن المناخ المشمس في غزة يحد من الحاجة إلى تخزين الطاقة الباهظ التكلفة.

كما أن مفهوم "استقلال الطاقة" يتمتع بمعنى جديد أكثر أهمية، عندما يحصل المواطنون على الكهرباء من جار معادي لهم (إسرائيل). وعلى هذا النحو، يوصي سيغال وماكي بنظام من الألواح الكهروضوئية المعدة للبناء، والمدعومة بسخانات المياه العاملة على الطاقة الشمسية، ونظم أبراج الطاقة الشمسية المركزة التي تُبنى على مستوى المنطقة.

حلول جديدة

على نحو مماثل، يكشف فصل أعدته دنيس هوفمان براندت عن خطة لإنشاء أجنحة يتم فيها جمع مياه الأمطار العذبة، وتستخدم بها أشعة الشمس لتحلية المياه الجوفية، وتُحلى بها أيضاً مياه البحر في حجرات معاد تدويرها من النفايات.

في الوقت نفسه، تتناول خطة "غرفة التعلم" الخاصة بالمهندسة يارا شريف، والواردة بالتفصيل في الفصل الذي كتبته بالتعاون مع ناصر غولزاري في كتاب "غزة المفتوحة"، التغيير المفروض على البيئة المعمارية في غزة. حيث توجد نظم لبناء الملاجئ الدائمة والمتنقلة المصنوعة من الجدران الترابية، والتربة المدكوكة، والشبكات السلكية، والخيزران وغير ذلك من المواد، بشكل جعل الغرفة كمركز مجتمعي متنقل يستمد من الحطام ما يكفي لتبادل المهارات.

تقول شريف: "لم يكن الغرض من فكرة غرفة التعلم رؤيتها باعتبارها هيكلاً دائماً من شأنه تشكيل هوية المدينة، بل كانت مساحة تجريبية يمكنك الاستمرار في تعديلها وتغييرها. إنها ليست بنية حضرية جديدة، بل إنها أقرب إلى مختبر للسماح ببناء هياكل جديدة". بهذه الطريقة، تؤكد غرفة التعلم على صعوبة التخطيط طويل الأمد في غزة.

كما يسلط الفصل الضوء على المرونة العملية التي يتعين على سكان غزة التحلي بها للحفاظ على مساكنهم.

ولطالما جادل المعماريون الغربيون حول ضرورة استخدام المواد المتوفرة فقط لتصميم المباني، تماماً كما يبني الطائر العش. جدير بالذكر أيضاً أن المهندسة المعمارية الشهيرة جين غانغ تضع أعشاش الطيور على مكتبها للإلهام، لكن سكان غزة لن يحتاجوا على الأرجح إلى مثل هذا التذكير.

يكمن التصادم الأكثر وضوحاً وإبداعاً، في التطلعات منخفضة الكربون والخدمات في الفصل الذي أعده هلجا طويل الصوري حول "شبكة إنترنت الحمام". حيث يقترح الباحث الإعلامي في "جامعة نيويورك" إنشاء شبكة لامركزية من أسراب الحمام التي يتم تدريبها، ودوائر استقبال الإشارات المنتشرة، وذلك من أجل التغلب على القيود الإسرائيلية المفروضة على الكهرباء ومدى النطاق الترددي لشبكات الإنترنت. خلال هذه العملية، يطير الحمام مع أقراص ذاكرة تعلق في أعناقه، من نقطة إلى أخرى، مما يوفر طريقة أسرع وأكثر أماناً لمشاركة المعلومات.

في الوقت نفسه، يعتبر الاعتماد على المعرفة والعمالة المحلية طريقة أخرى تتبعها غزة لتأكيد استقلالية البنية التحتية فيها.

نوع مختلف من المدن الذكية

مع ذلك، الأمر لا يسير كما لو أن البيئة المعمارية في غزة لم تتأثر بالتكنولوجيا، فبطريقة ما، تمثل الشبكة الرقمية التي تراقب المدينة وسكانها تبايناً في مفهوم "المدينة الذكية" كثيفة البيانات، وهي طريقة أخرى تعكس بها غزة المستقبل.

منذ عام 2014، كانت عملية إعادة إعمار غزة تُدار من خلال قاعدة بيانات على الإنترنت تسمى "آلية إعادة إعمار غزة" (GRM). هذه الآلية يتم تحديثها في الوقت الفعلي، وتسجل كافة مواد البناء التي تتدفق عبر حدودها، بجانب الأغراض التي يمكن استخدامها من أجلها ومن سيتسلمها. وقد اتفقت إسرائيل وفلسطين على هذه الآلية، المصممة لضمان عدم استخدام حماس للموارد في أغراض عسكرية، والتي كانت من المفترض أن تكون مؤقتة.

العالم يحتاج إلى تشييد مزيد من المباني المناسبة للجميع

لكن فرانشيسكو سيبريغوندي، من مجموعة "فورينسك اركيتكتشر"، يقول إن هذه الآلية تضع إسرائيل في "دور إشرافي مطلق"، فالفصل، الذي أعده سيبريغوندي في الكتاب، والمسمى بـ"التحضر الحدودي"، يوضح بالتفصيل كيف تعطي آلية إعادة إعمار غزة للسلطات الإسرائيلية صورة دقيقة عن حالة البناء في غزة، وكيف يؤثر ذلك على تأخر إعادة بناء غزة.

تعد هذه المعرفة هدفاً متزايداً بالنسبة لصناعة التصميم والبناء، فهناك دوافع متزايدة لترجمة الخطط إلى بيانات، والتأكد من أن ما تم إنشاؤه يتوافق بشكل وثيق مع النماذج الرقمية حتى تتم إدارة البناء والأداء التشغيلي بكفاءة أكبر. لكن هذه ليست الطريقة الوحيدة التي يمكن استخدام هذه البيانات بها. فمثلاً، ما مقدار المعلومات التي قد ترغب منظمة غير ربحية مختصة في إعادة توطين اللاجئين على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، في مشاركتها مع سلطات الهجرة؟

وبالرغم من أن آلية إعادة إعمار غزة بدائية نسبياً، إلا أن استخدام هذه الآلية واسع النطاق عبر غزة لا يزال يخلق خريطة إعادة إعمار غير متواجدة في أي مكان آخر.

بالنسبة لسيبريغوندي الحاصل على درجة الدكتوراه عن بحث "الهندسة المعمارية لحصار غزة" من "كلية غولدسميث" في جامعة لندن، فإن هذا التدخل يكشف أن مشكلة المدينة الذكية ليست مشكلة تقنية، بل إنها سياسية. وكما هو الحال مع الرؤى المشرقة لمستقبلنا الصديق للبيئة، فإن التصميم والتحضر لا يتمتعان بالاستقلالية المتأصلة لمقاومة الأجندات السياسية، وشعاراتها المنادية بتأمين الإسكان الذي يتمتع بالراحة والكفاءة والصداقة للبيئة، التي يُتباهى بها في سبيل الوصول للسلطة.

يقول سيبريغوندي: "من سيكون مسؤولاً عن الوصول إلى بيانات معينة؟ ما هي مستويات الشفافية والوصول التي يتم منحها بناء على استخدام هذه البنية التحتية؟ أعتقد أنه من الممكن إعادة تصميم التقنيات الكامنة وراء التحضر الذكي من أجل خدمة البيئات الحضرية الجماعية، لكن التقنيات التي يتم تسويقها حالياً ونشرها باستخفاف في جميع أنحاء مدننا تميل إلى اتباع نهج معاكس". ويضيف: "هذا أفق مظلم علينا تجنبه ومكافحته".

أرض اختبارات

كذلك، فإن العلاقة المعقدة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني حولت المنطقة إلى شيء يشبه أرض اختبار لتقنيات المراقبة المصممة لهذا الغرض والتي يمكن توصيلها بمدينة ذكية في المستقبل. وفي الواقع، تبيع الشركات الإسرائيلية تكنولوجيا الأمن السيبراني حول العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة، حيث تُستخدم في مركز تدريب جديد في مدينة بالتيمور.

في الوقت نفسه، يعتقد سيبريغوندي أن غزة تعد امتداداً لسلسلة مستمرة من العنف الاستعماري المستمر، حيث تصبح الدول أكثر هشاشة ودفاعية، فضلاً عن أن تغير المناخ يعزز التوترات، وتزيد مع ذلك أوجه التفاوت بشكل كبير وينقسم الناس إلى جماعتين. وحيثما توجد الجماعتان بالقرب من بعضهما بعضاً في أي مكان، يزدهر سوق تقنيات المراقبة والتحكم.

كما أن النقاشات المتعلقة بدور الشرطة العسكرية في شوارع المدن الأمريكية وظهور تكنولوجيا السلامة العامة التي تقوض الخصوصية أدت إلى انهيار الفوارق الفاصلة بين فلسطين ومدينة بيتسبرغ في ولاية بنسلفانيا مثلاً.

يقول سيبريغوندي: "هناك مدى معين تصبح فيه فلسطين نوعاً من كرة بلورية لهذا المستقبل بالذات، داخل إقليم مضغوط وكثيف سكانياً، تظهر بعض الجوانب الأكثر وضوحاً في هذا التقسيم الحضري". وقد وصف سيبريغوندي"عودة تأثيرات الاستعمار"، في أن تقنيات السيطرة على الفئات السكانية المضطربة في الدول البعيدة تعود لتستخدم مرة أخرى في الوطن بنهاية الأمر، كما هو الحال مع تجارب وكالة الأمن القومي التي استخدمت حرب العراق لتطوير برامج المراقبة المحلية.

يقول عالم الجغرافيا الحضري شارب إنها دورة قضت على المسافات، حيث إنها كما يقول تقرب سكان غزة وبقية العالم من بعضهم بعضا، وتجلب ما يهدد الغزيين في مساكنهم إلينا. وأشار شارب أخيراً إلى أن "إعادة التدوير هذه للعنف والقمع تعود لتطاردنا جميعاً".

تصنيفات

قصص قد تهمك

نستخدم في موقعنا ملف تعريف

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.