رهان "تسلا" على أنصار "لنعد لأميركا عظمتها" سيخيب

هذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها ماسك عدم فهمه لآلية عمل العلامات التجارية

time reading iconدقائق القراءة - 10
سيارة \"تسلا\" محروقة عُثر عليها في برلين في 15 مارس، تشتبه الشرطة أن تكون النيران أضرمت فيها الليلة التي سبقت العثور عليها. - Getty Images
سيارة "تسلا" محروقة عُثر عليها في برلين في 15 مارس، تشتبه الشرطة أن تكون النيران أضرمت فيها الليلة التي سبقت العثور عليها. - Getty Images
المصدر:

بلومبرغ

يتطلب بيع أي منتج خطوتين أساسيتين؛ أن تصنعه، وأن تجد طريقة لتقنع الناس بشرائه. أحياناً يكون طرح المبيعات بسيطاً، مثلاً في الحالات التي يحتاج فيها المستهلك إلى شيء وتتمكن من صنعه بكلفة أرخص من الآخرين.

لكن في معظم الأحيان، ستضطر لكثير من الجهد لترويج منتجك. فغالباً ما يتلقى المستهلكون عروضاً لشراء منتجات شبه متطابقة تؤدي أغراضاً متشابهة. لذا إن أردت جذب اهتمامهم، لا يكفي أن تتحدث عمّا يريدونه أو يحتاجون إليه، بل عليك أن تغوص أكثر لتتحرى عمّا يشعرون به. فالشيء الذي يتيح للناس تقديم أنفسهم كأذكياء أو أغنياء أو متمردين أو صالحين هو أكثر قيمة من منتج يقتصر على تأدية وظيفته الأساسية. 

في سوق مزدحمة، سيحتاج منتجك إلى طابع مميز—وهذا، ببساطة جوهر مفهوم "العلامة التجارية".

اقرأ أيضاً: تراجع شعبية ماسك عائق جديد يواجه خطة "روبوتاكسي"

نفور قاعدة العملاء الأصلية

دعونا ننظر إلى "تسلا" عبر ما سلف. تمر هذه الشركة اليوم بما يمكن وصفه تأدباً بتغيير في الإحساس تجاه منتجها. لطالما جذبت شراة السيارات من التيار اليساري الذين يشكلون غالبية سوق المركبات الكهربائية في الولايات المتحدة. في البداية، كانت "تسلا" الشركة الوحيدة التي تقدم مركبات كهربائية سريعة وأنيقة. وحين ظهرت شركات منافسة، كان امتلاك سيارة "تسلا" قد ترسخ كرمز للثراء في أوساط التقدميين.

حتى وقت قريب، كان رئيسها التنفيذي إيلون ماسك يعزز هذه الصورة، فيطرح نفسه وشركته كمبتكرين جريئين يسهمان في مكافحة التغير المناخي.

ماسك الذي لطالما كان حضوره القوي كوجه لعلامة "تسلا" أحد أهم عوامل جذب المستثمرين ومشتري السيارات على حد سواء، ما عاد يلعب هذا الدور. فقد انتقل تماماً نحو التيار اليميني، تاركاً "تسلا" لتبدو كخصم لقاعدة زبائنها. 

تلقت قاعدة العملاء الرسالة بوضوح، فقد تعرضت شاحنات "سايبرتراك" من "تسلا" لعمليات تخريب، ابتداءً من رمي لفضلات الكلاب عليها ووصولاً إلى رشقها بالطلاء. أما مالكو طُرز "تسلا" الأقل إثارة للجدل، فيشعرون بالإحراج إلى حدّ أنهم اضطروا لوضع ملصقات على سياراتهم تشير إلى أنهم ابتاعوها قبل أن يكتشفوا توجهات ماسك السياسية. كما أصبحت صالات عرض "تسلا" ومحطات شحنها السريع مسرحاً لاحتجاجات تحت عنوان "الإطاحة بـ تسلا" على امتداد الولايات المتحدة، ووقعت عدة حوادث يُشتبه في كونها متعمّدة لإضرام النار بسيارات الشركة وكذلك مرافقها.

كما تراجعت مبيعات وتسجيل سيارات "تسلا" الجديدة عالمياً في 2025، فقد انخفضت 45% في أوروبا، فيما قدّر مجلس المركبات الكهربائية في أستراليا أن التراجع بلغ 70% مقارنة بالعام السابق، وانخفضت شحنات "تسلا" المصنعة محلياً في الصين 49%.

اقرأ أيضاً: أكبر انخفاض يومي لسهم "تسلا" منذ 2020 بضغط من تقديرات الإنتاج

تراجع أسهم "تسلا" بسبب مواقف ماسك

يكاد يستحيل العثور على مثال آخر لشركة بهذا الحجم دمرت علامتها التجارية بنفسها. أثبت ماسك منذ زمن أنه لا يجيد استخدام الرمزية، ومن الأمثلة على ذلك أنه حمل حوض مغسلة إلى مكاتب "تويتر" عند استحواذه على الشركة. ويبدو أنه اليوم أساء مجدداً تفسير القيمة الرمزية لعلامة "تسلا" التجارية. أو على الأقل، أساء تقييم قدرته على تغيير طبيعة تلك القيمة دون أن يقلّل منها.

في البداية، بدا الناس مقتنعين أن ماسك سينجح في مسعاه فيما كان فريق الرئيس دونالد ترمب الانتقالي يطلق وعوداً بإنهاء السياسات نفسها التي تستفيد منها "تسلا". فقد ارتفعت أسهم الشركة إلى مستوى قياسي بلغ نحو 480 دولاراً في ديسمبر، ويعود ذلك جزئياً إلى افتراض المساهمين أن علاقة ماسك الوثيقة مع ترمب ستعود بالنفع على شركاته. فهل من سبب للإكتراث بمشاعر الزبائن إن كانت شركتك قادرة على الوصول مباشرة إلى أموال الحكومة الاتحادية؟

اتضح أنه ينبغي الاكتراث لها، على الأقل لو كان المستثمر هو ماسك. فمنذ ذلك الحين، فقدت أسهم "تسلا" نحو نصف قيمتها، ما تسبب في خسارة ماسك ما يقارب 150 مليار دولار من صافي ثروته.

لطالما أُعدّ الأميركيون اجتماعياً كي يعتبروا الاستهلاك كجبهة للسياسة، ويرجع ذلك جزئياً إلى سهولة حكم أشخاص يرون أنفسهم "متسوقين" بدل أن يعتبروا أنفسهم فاعلين في السياسة. لكن هذا المنطق لا ينطبق عندما تكون الطبقة الحاكمة نفسها من التجار الذين يمكن أن يتأثروا مباشرة بتقلبات السلوكيات الشرائية الفردية.

الدلائل على إمكانية أن ينقل ماسك منتجه من سوق أيدولوجية إلى أخرى من الحجم نفسه قليلة، خاصة بعدما جعل من "تسلا" رمزاً شرساً لمناهضة السياسات التقدمية. لكن يعتقد بعض المراقبين أن ما يحدث مجرد عقبة بسيطة في طريق خطة محكمة ستقلل أصلاً من اعتماد الشركة على قاعدة زبائنها  التقليدية، ربما مع طرح سيارات الأجرة ذاتية القيادة (روبوتاكسي)، التي كرر ماسك منذ سنوات أنها توشك أن تصبح واقعاً.

الاستعانة بترمب

حتى يحين ذلك، وتلك فترة قد تكون طويلة، ستظل "تسلا" بحاجة لأن تبيع سياراتها. إلا أن الفئة الأكثر تأييداً لماسك بين المحافظين محدودة العدد، وهم رأسماليون يميلون للفوضى ويستثمرون في العملات المشفرة. أما المحافظون العاديون، الذين يسخر كثير منهم من الليبراليين الذين يقودون مركبات كهربائية، فيفضلون السيارات التقليدية.

اقرأ أيضاً: ترمب يعتزم شراء سيارة "تسلا" لدعم ماسك بعد انخفاض أسهم الشركة

وإذا ما أرادوا استفزاز الليبراليين من خلال السيارات التي يقودونها، أمامهم مجموعة واسعة من السيارات التقليدية الضخمة الشرهة للوقود ليختاروا منها، حتى أنه بإمكانهم تعديلها لتستهلك كميات أكبر من الوقود. فلماذا تشتري سيارة سيدان كهربائية صغيرة تتماشى مع توجهات بعض غريبي الأطوار على الإنترنت إذا كنت تستطيع زيادة قوة شاحنتك من نوع "فورد إف -250" وتعديل محركها لتنفث دخاناً أسود؟

 

بدأت علامات القلق تظهر على ماسك، الذي لا يبدو واثقاً بقدرته على إنجاح هذا التغيير في هوية علامته التجارية بعدما تبين حجم الضرر الذي ألحقه مشروعه الأيدولوجي بأعمال "تسلا". بعد تراجع سهمها، استعان بترمب لتصوير إعلان تثقيفي عن سياراته في حديقة البيت الأبيض، حيث أعلن الرئيس عزمه شراء سيارة "تسلا" دون أي حسم في سعرها كتعبير عن ثقته بالشركة، وكذلك نيته تصنيف التخريب الذي يطال سيارات "تسلا" على أنه نوع من الإرهاب المحلي. (لكن هل يقتنع القضاة الاتحاديون بهذا التصنيف؟)

بدا العرض يائساً بقدر غرابته. يتميز ترمب بقدرة فريدة في تاريخ السياسة الأميركية على تغيير آراء مؤيديه ونظرتهم للواقع. وربما كان ماسك يأمل بأن سحر الرئيس هذا سيطال سياراته، على الأقل لإقناع ما يكفي من الناخبين الجمهوريين العاديين بإيمانه بـ"تسلا" ليساعد على زيادة المبيعات فيما تستمر إدارته بإغلاق محطات الشحن واتخاذ خطوات توصل للناخبين رسالة مفادها أن المركبات الكهربائية ليست جزءاً من حركة "لنعد لأميركا عظمتها". 

تغيير معنى سيارات "تسلا"

لكن في الأساس، يبدو أن ماسك كرر مع "تسلا" غلطةً ارتكبها قبل بضع سنوات مع شركته الأخرى "تويتر". فقد ألغى حينها علامات التحقق الزرقاء المجانية التي كانت إدارة المنصة السابقة تمنحها للشخصيات العامة والصحفيين، وتعامل معها كرمز للمكانة النخبوية داخل التسلسل الهرمي الضيق للمنصة. (والحق يقال، لقد بالغنا بالاهتمام بعلامات التحقق الزرقاء).

تحت إدارة ماسك، أصبح من يريد استعادة علامته الزرقاء مجبراً أن يدفع اشتراكاً شهرياً، كما بات بإمكان أي شخص شراءها. تفاجأت قيادة الشركة بقلة الإقبال على الدفع، ولكن ذلك كان متوقعاً. فقد تحولت علامات التحقق من رمز للمكانة المهنية إلى رمز للولاء لماسك، ما يعني أنها لم تعد تتمتع بالقيمة نفسها بالنسبة للجميع. 

تسعى العلامات التجارية دائماً لاستقطاب زبائن جدد، لكنها تفعل ذلك عادة بشكل مدروس. فتحدد السوق المستهدفة وتعمل على اجتذابها، وغالباً ما يكون ذلك استناداً إلى دلائل تشير إلى إمكانية خلق طلب لدى شريحة جديدة من المستهلكين. هذا ما يفسر مثلاً طرح شركات المشروبات الغازية لمنتجات صحية، أو إعلان "لوي فويتون" عن خط جديد لمستحضرات التجميل.

تدرك هذه الشركات أنها قادرة على الاستفادة من السمعة التي بنتها لدى المستهلكين من أجل إطلاق منتجات جديدة، إذا ما قامت بذلك بحذر. المغزى يبقى واحداً، ولكن يُعبَّر عنه بأشكال جديدة. أما ما يحاول ماسك فعله مع "تسلا" فهو أمر مختلف، سواءً كان يعي ما يفعل أم لا. لم تتغير السيارات لكنه غيّر ما تعنيه ليرضي جمهوراً قوامه شخص واحد: ماسك وحده.

تصنيفات

قصص قد تهمك

نستخدم في موقعنا ملف تعريف

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.